يكتب الباحث نوريه ياسين تحليلًا جيوسياسيًا مكثفًا يرصد فيه تحولات الصراع بين مصر وإثيوبيا في القرن الإفريقي، عبر قراءة تربط بين الممرات البحرية، وأمن البحر الأحمر، ومصالح القوى الإقليمية والدولية، في سياق إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة.
ينشر هذا المقال موقع هورن ريفيو المتخصص في التحليلات السياسية والاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي، حيث يتناول بعمق التداخل بين الأمن البحري، والسياسة الإقليمية، وصراعات الموارد، مع تركيز خاص على التنافس المصري الإثيوبي حول المياه والمنافذ البحرية.
البحر الأحمر كجبهة صراع جيوسياسي عالمي
ينطلق التحليل من فكرة تصاعد أهمية الممرات البحرية العالمية، حيث تتقاطع أزمة مضيق هرمز مع باب المندب والبحر الأحمر في مشهد جيوسياسي واحد، يجعل من هذه المنطقة خط تماس محتمل لصراعات دولية واسعة. وتؤدي عسكرة البحر الأحمر واحتمالات إغلاق باب المندب إلى تحويله إلى مسرح تهديد مباشر لحركة التجارة العالمية، ما ينعكس بشكل خاص على دول القرن الإفريقي وفي مقدمتها إثيوبيا.
يرى الكاتب أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالتجارة أو الأمن البحري، بل يمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تسعى أطراف إقليمية ودولية إلى بناء تكتلات جديدة تتحكم في السواحل الإفريقية للبحر الأحمر، في ظل تنافس واضح على النفوذ والموانئ والقواعد العسكرية.
مصر وإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي
يبرز التحليل الدور المصري بوصفه فاعلًا رئيسيًا يسعى إلى تشكيل نظام إقليمي يتمحور حول القاهرة، يمتد من النيل إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويتحرك هذا التوجه، بحسب النص، عبر تنسيق سياسي وأمني مع دول مثل إريتريا، بما يعزز من حضور مصر في الممرات البحرية الحيوية ويمنحها قدرة على التأثير في محيط إثيوبيا الاستراتيجي.
ويشير الكاتب إلى أن حكومة السيسي توسع مفهوم “الأمن القومي العربي” ليشمل القرن الإفريقي، معتبرة أنه امتداد مباشر لأمنها القومي. هذا التوسع يترجم إلى سياسات تهدف إلى بناء شبكات نفوذ بحرية وبرية في دول الساحل، عبر موانئ وبنى تحتية واتفاقيات عسكرية وتجارية، بما يخلق بيئة ضغط جيوسياسي على إثيوبيا ويحد من استقلال قرارها الاستراتيجي.
كما يطرح التحليل فكرة أن هذا التوسع يسعى إلى إعادة هندسة البحر الأحمر كنطاق مغلق يخضع لهيمنة الدول المطلة عليه فقط، في مقابل رؤى إقليمية أخرى تدعو إلى شراكات أوسع وأكثر انفتاحًا، وهو ما يعكس صراعًا حول شكل النظام البحري في المنطقة.
إثيوبيا بين الحصار الجغرافي وسعي الوصول إلى البحر
يتناول النص موقع إثيوبيا بوصفها دولة حبيسة تعتمد على الممرات البحرية الإقليمية، ما يجعل أي تغير في خريطة النفوذ في البحر الأحمر ذا تأثير مباشر على أمنها القومي واقتصادها. ويعتبر الكاتب أن توسع النفوذ المصري في الموانئ والسواحل المحيطة قد يخلق ضغوطًا استراتيجية على أديس أبابا، ويزيد من تعقيد وصولها إلى البحر.
وفي هذا السياق، يطرح التحليل فكرة “السياسة البحرية” كأداة ضغط، حيث تُستخدم البنية التحتية والموانئ والتحالفات العسكرية لإعادة تشكيل علاقة إثيوبيا بمحيطها الجغرافي، بما قد يؤدي إلى عزلها أو تقليص خياراتها الاقتصادية والعسكرية.
كما يناقش النص الجدل حول السعي الإثيوبي للوصول إلى البحر، معتبرًا أنه يُقدَّم من بعض الأطراف كتهديد إقليمي، بينما تراه أديس أبابا حقًا استراتيجيًا يمكن تحقيقه عبر التفاوض والتفاهمات الإقليمية، وليس عبر الصراع المباشر.
تاريخ ممتد وصراع يتجدد
يستحضر التحليل الخلفية التاريخية للعلاقات بين مصر وإثيوبيا والقرن الإفريقي، مشيرًا إلى أن التنافس على النيل والبحر الأحمر ليس جديدًا، بل يمتد عبر قرون من التفاعلات السياسية والعسكرية. ويُعاد إنتاج هذا الإرث اليوم في سياق حديث مرتبط بالدول الوطنية الحديثة وبموازين القوى الإقليمية والدولية.
ويخلص الكاتب إلى أن مشروع “السيطرة المزدوجة” على النيل والبحر الأحمر يمثل جوهر التصور الجيوسياسي المصري تجاه إثيوبيا، بينما تسعى الأخيرة إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي عبر التنمية، وبناء القوة الذاتية، وتوسيع شراكاتها الإقليمية.
وفي النهاية، يطرح التحليل رؤية تقوم على أن مستقبل القرن الإفريقي لن يُحسم بالقوة وحدها، بل بتوازنات معقدة تجمع بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، في منطقة تتحول تدريجيًا إلى أحد أهم مراكز الصراع والتنافس في النظام العالمي الجديد.
https://hornreview.org/2026/06/17/egypts-ethiopia-geostrategic-grammar-the-case-of-politicide/

